أحمد مصطفى المراغي
24
تفسير المراغي
الْعالَمِينَ ) لأنه يدل على أن كل ثناء وحمد يصدر عن نعمة فهو له ، ولن يكون هذا إلا إذا كان عز اسمه مصدر النعم التي تستوجب الحمد ، وأهمها نعمة الإيجاد والتربية وذلك صريح قوله : ( رَبِّ الْعالَمِينَ ) وقد استكمله بقوله : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وبذلك اجتثّ جذور الشرك التي كانت فاشية في جميع الأمم ، وهي اتخاذ أولياء من دون اللّه يستعان بهم على قضاء الحاجات ويتقرب بهم إلى اللّه زلفى . والوعد والوعيد يتضمنهما قوله : ( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) إذ الدين هو الجزاء وهو إما ثواب للمحسن وإما عقاب للمسيئ . والعبادة تؤخذ من قوله : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) . وطريق السعادة يدل عليه قوله : ( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) إذ معناه أنه لا تتم السعادة إلا بالسير على ذلك الصراط القويم ، فمن خالفه وانحرف عنه كان في شقاء مقيم . والقصص والأخبار يهدى إليها قوله : ( صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) فهو يرشد إلى أن هناك أمما قد مضت وشرع اللّه شرائع لهديها فاتبعتها وسارت على نهجها ، فعلينا أن نحذو حذوها ونسير على سننها . وقوله : ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) يدل على أن غير المنعم عليهم صنفان : صنف خرج عن الحق بعد علمه به ، وأعرض عنه بعد أن استبان له ، ورضى بما ورثه عن الآباء والأجداد وهؤلاء هم المغضوب عليهم ، وصنف لم يعرف الحق أبدا أو عرفه على وجه مضطرب مهوش ، فهو في عماية تلبس الحق بالباطل وتبعد عن الجادة الموصلة إلى الصراط السوي ، وهؤلاء هم الضالون . وهذه السورة إحدى السور المكية التي نزلت قبل هجرة النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، وعدة آيها سبع . وقد نزل القرآن الكريم منجّما أي مفرقا في ثلاث وعشرين سنة بحسب الحوادث